معرض إسطنبول للكتاب العربي.. عُرس ثقافي بعبق التاريخ الإسلامي

 

كتبت/ أماني آيدوغان

يستشعر الزائر لمعرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي نسخة هذا العام بأن الروح تنتشي بهذا الحدث، لما فيه من جمع كريم شمل عُلماء أفاضل ونخبة الأمة ومثقفون ومسلمون من بلدان مختلفة، وبمشاركة ما يزيد عن 300 دار نشر من أكثر من 30 دولة اجتمعوا على حب اللغة العربية، لغة القرآن الكريم.
في مشهد يبدو كعرس ثقافي تتوج به إسطنبول عاصمة الحضارة الإسلامية بدأت مراسم افتتاح المعرض يوم السبت الماضي 15 أغسطس/ آب 2026، والذي استهل بآيات من كتاب الله الحكيم ثم بكلمات ألقاها نخبة من العلماء والتي انطلقت من شعار "الحكاية مستمرة"، حكاية أُخوَّة وتجديد عهد لأبناء خير أمة أُخرِجت للناس بتبديد ظلمات الجهل وهو الأمر الذي بدا واضحا في كل ركن أن المكان شمل علوم الدنيا والدين.
ومن أهمية الكتاب ومكانته واستشعار النعمة التي أنعم الله بها على عباده بدأ الحديث وتخلله التذكير بإخوتنا في غزة الأبيّة المُحاصرة والتي تتعرض لأبشع جريمة إبادة في التاريخ المُعاصر، وكيف أن أهلها يُحرمًون من الطعام والدواء وحتى الكتاب وحقهم في التعليم، والتطرق إلى  البحث عن حل لرفع الظلم والمعاناة عنهم.
وانتقالا إلى الترحيب بالحضور المميز لضيف شرف نسخة هذا العام، سوريا الحبيبة، بعد إسقاطها لنظام حزب البعث والتخلص من إجرامه، لتعود دمشق عاصمة الدولة الأموية لعزها ومكانتها التاريخية والثقافية، والذي مثل وفدها نائب وزير الثقافة السوري، سعد نعسان، ليؤكد عودة بلاده للانخراط في الحياة الثقافية على المستوى الإقليمي والدولي.
كما أستحضر الحدث الأكثر أثرًا في النفوس، حيث إطلاق نخبة من العلماء " التجمع العالمي للقرآن الكريم"، يترأسه شيخ القرًّاء الشيخ أحمد المعصراوي، كمنظومة عالمية تخدم كتاب الله وتؤهل الكفاءات وتمكن العاملين من خدمة القرآن الكريم.
وعلى الهامش في الأروقة تفوح نسمات من عِز هذه الأمة عبر الندوات المختلفة والنقاشات الثرية عن قضايا الأمة ما بين الواقع واستحضار وقفات من التاريخ الإسلامي، إلى توقيع كتب تنطلق من بناء الإنسان ثم عن رؤى في الفكر الإسلامي وحلول شتى.
وعلى تنوع الفعاليات والحاجة إليها في وقتنا الحالي والتفكير في مدى جدواها وصداها، يستوقفني مشهد جراح الأمة وكيف فتحت تركيا ذراعيها لتحتضن قدر استطاعتها إخوة لها في الدين، وأنظر على امتداد خريطة العالم الإسلامي فأرى ما يحدث في فلسطين تعقبها صرخات مكبوتة وأفواه مكممة في تركستان الشرقية، تقابلها دموع أخوة لنا في السودان، ليحدثهم عن الصبر والعِزة اليمن الحبيب، لتنشد سوريا فيهم العزم والثبات وتبشرهم بانتصار يتحقق ولو بعد حين، لتتجلى في الأُفق آية من كتاب الله العزيز: " إنِّي أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يفعلون"، كان هذا المشهد على مستوى الشعوب والأفراد.
 وعلى مستوى الحكومات لم يكن الموقف المُعلن عن المشهد السابق ببعيد، لأستحضر "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، والتي جمعت بين السعودية قبلة قلوب المسلمين، وتركيا المنصورة بنُصرتها للمظلومين، وباكستان قوة بشرية قوامها إخوة لنا في الدين، تكتل سُنِّي كبنيان متين أساسه عقيدة صحيحة يشد بعضه بعضها.
تلك الاتفاقية التي جاءت انطلاقا من أواصر الأخوة والتضامن والتاريخ المشترك، فالسعودية بثقلها العربي والإسلامي وقوتها الاقتصادية كونها أحد أهم مصدري الطاقة في العالم، وتركيا بقوتها العسكرية وجيشها الذي يُصنف عالميًا ضمن أقوى 10 جيوش ، بالإضافة إلى صناعاتها الدفاعية المتطورة وقوتها الجوية، كما أنها تُعد من القوى العالمية الأولى وقائدة تصدير المُسيِّرات القتالية، وباكستان حيث الخبرة العسكرية والردع النووي، لتجمع هذه الاتفاقية الأمة ولا تُفرّقها وتحفظ التوازنات والأمن الإقليمي في العالم الإسلامي، وتردع ولا تبدأ بعدوان.
كما يحضرني تصريح الرئيس أردوغان والذي دعا فيه بقية دول العالم الإسلامي إلى الانضمام لهم، مؤكدًا على أن الاتفاقية تستند إلى مبدأ الردع الجماعي وتهدف إلى تحقيق الأمن والرفاه والاستقرار في المنطقة. ولا تستهدف أي دولة، موضحًا أنها مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة.
تلك أحداث تبشر بالخير، وتؤكد أن الأمة قادرة على أن تنهض من جديد لتنفض عنها غبار الضعف والاستكانة، أرى في الأفق نور يبدد الظلام، ويخلق عهد جديد وآمال بوأد آلام أمتي الجريحة، تمضي السنوات وربما نحن أيضًا، وتبقى " الحكاية مستمرة" حكاية ثبات وعزم وصمود وأخوة في الدين إن صدقت ينهار أمامها كل من حاكً لها.

شارك الخبر

أخبار ذات صلة

تعليقات

لا يوجد تعليقات